سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

193

الإكسير في علم التفسير

الصورة الثانية : أن يكون في كلام منفي ، فيجوز تأخيره ، نحو : « لا ريب فيه » « 1 » وتقديمه نحو : لا فِيها غَوْلٌ « 2 » قال ابن الأثير : « 3 » والفرق بينهما : أن تأخيره يفيد نفيا مطلقا من غير تفضيل كما اقتضى نفي الريب والشك عن الكتاب في صورته ، وتقديمه يفيد : تفضيل الشيء عنه على غيره ، كتفضيل خمر الآخرة على خمر الدنيا في صورتها ، ومثله قولنا : لا عيب في الدار ، ولا فيها عيب » فالأول يقتضي نفي العيب عنها ، وخلوصها منه ، والثاني يقتضي تفضيلها على غيرها من الدور ، وأن ليس فيها ما في غيرها من العيوب ، هذا حاصل كلامه . وعندي في هذا الفرق نظر : فإن اللفظ لا يدل عليه مطابقة ، ولا تضمنا ، ولا التزاما ، وإنما بنى هو ذلك على مقدمة نقلية سمعها ، وهي : أن خمر الآخرة ليس فيها من إفساد العقل ما في خمر الدنيا ، فيجعلها فرقا هاهنا من غير ربط عقلي . والذي عندي في هذا : أن الجملة المتضمنة للجار والمجرور مشتملة على مستقر واستقرار ، فحيث تأخر الجار والمجرور أفاد نفي المستقر المظروف كقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ فإن الريب هو المستقر في الكتاب على زعم الكفار ، فأولاه حرف النفي فنفاه ، وحيث تقدم أفاد : نفي الاستقرار ، كقوله : لا فِيها غَوْلٌ فإن « فيها » متعلقا بمعنى الاستقرار ، كما عرف في النفي ، فأولاه حرف السلب فنفاه ، فالأول سلب القار ، والثاني سلب الاستقرار . فإن قلت : القارّ والاستقرار متلازمان فسلب أحدهما يستلزم سلب الآخر . قلت : نعم ، لكن والكلام في جهة السلب بالقصد لا بالعرض ، فتأمل هذا . والخلاف في مثل هذه العبارات راجع إلى اختلاف يرجع إلى المتخاطبين في عبارة أو

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 2 . ( 2 ) سورة الصافات آية 47 . ( 3 ) الجامع الكبير ص 111